ست العجم بنت النفيس البغدادية

370

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

والحقيقة تأبى ذلك . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : حجبتك بالأحدية ، ولولا الأحدية ما عرفتني وما عرفتني قط ) ] . ( ش ) أقول : مراده بهذا الخطاب استعلاؤه على الجهل وهذا الاستعلاء بعينه حجاب بالأحدية عن الكثرة ، لأن الكثرة منوطة بالجهل إذ موجبها كمال الجاهل في جهله ، وقد قلنا في كتاب الختم : إن موجب الكثرة والتمايز نور إشراق ليتحقق به الجاهل في جهله ، فإن من شرط كمال الوجود عالما وجاهلا فالأحدية للعالم باللّه والكثرة للجاهل به ، فحجاب العالم بالأحدية لئلا يصدق عليه الجهل ، وحجاب الجاهل بالكثرة لئلا يصدق عليه العلم ، لأن حقيقة اللّه واحدة لا تكثر فيها ، فمتى شهد الجاهل هذه الحقيقة انتفت عنه صفات الجهل ، وقد قلنا : إن الجهل من شروط كمال الوجود فلا يشهد هذه الحقيقة إلا العارف الذي هو العالم ، فشهودها بعينه هو حجابه عن الجهل ولولا هذا الشهود لما عرفت حقيقة اللّه تعالى ، ومن حين هذا الشهود المراد « 1 » للاتصاف لا يشهد اللّه من حيث أحديته مرة ثانية ، وإليه أشار بقوله في الفتوحات المكية : إن اللّه لا يتجلى لأحد مرتين ، يريد به تجلي الأحدية ، فإنه في التجلي الأول ظهر بحقيقته ، وكان المراد فناء « 2 » المتجلي له وهو عين الاتصاف ، فإذا حصل هذا الفناء لا يفتقر إلى فناء آخر فلا فائدة في التجلي الأحدي مرة ثانية .

--> ( 1 ) المراد : عبارة عن المجذوب عن إرادته ، فإنه مع تهيؤ المراد له يتعمد في طلبه ، ولا يفتقر إلى الإرادة والقصد ، والمراد : من المجذوب عن الإرادة ، المحبوب ، لا من هو مراد لما أريد به ، لا بد له من إرادة ، تتعلق بما أريد به منه ، هذا إذا كان المراد لما أريد به من أهل الطريق ، ولا يقع إلا ما هو مراد له ، وأما العوام فقد يظهر بينهم ما أريد به من غير إرادتهم ، ومن خصائص المحبوب ألا يبتلى بالشدائد والمشاق في أحواله من حيث كونه محبوبا ، فإن ابتلي ، فذلك بكونه محبا ، فجاوز المجذوب حينئذ المجذوب عن إرادته الرسوم كلها ، الساترة بخصوصيتها عين الحق ، والذي كشفه بتجليه هو المطلب الفاني ، وجاوز أيضا المقامات من غير مكابدة ومشقة ، فإنها تطوى له ، فلا يفتح عن بصيرته إلا وقد يقع بادي النظر على الحق من غير مزاحمة رسوم السوى . هذا هو قسم من أقسام الفناء ، وهو فناء الفعل في الفعل ، ولم يشمل على فناء الصفة والذات في الذات . ( 2 ) الفناء : فناء رؤية العبد لفعله بقيام اللّه تعالى على ذلك .